ابن ميثم البحراني

385

شرح نهج البلاغة

بالصفات المعدودة . إلى قوله : والقول . فإنّ استعانة من هذه صفته تكون أقرب الاستعانات إلى إجابة المستعان بالعون لقوّتها باستجماعها قوّة الرجاء ، والأمل له تعالى ، وحسن اليقين في قدرته على بذل النفع ودفع الضرّ ، والشكر والإذعان بالطاعة العمليّة والقوليّة . ثمّ أردف ذلك بالإقرار بالإيمان الكامل ، وهو إيمان من استكمل الأوصاف المعدودة آنفا وهي رجاء المطالب العالية منه حال اليقين التامّ بأنّه أهلها ، والرجوع إليه عن جميع الفرطات وفي سائر المهمّات حال الإيمان به ، والخضوع حال انقياده لعزّته ، ثمّ الإخلاص له حال توحيده ، ثمّ تعظيمه حال تمجيده ، واللوذ به حال الرغبة إليه والاجتهاد فيها . وظاهر أنّ ذلك الإيمان كامل . ثمّ أخذ في تنزيهه تعالى باعتبارات سلبيّة وإضافيّة هي غاية الواصفين : منها أنّه لم يكن له والد فيكون له شريك في العزّ . إذ العادة أن يكون والد العزيز عزيزا . ومنها أنّه لم يلد فيكون موروثا هالكا . وهو تنزيه له عن صفات البشر . إذ العادة أنّ الإنسان يهلك فيرثه ولده ، وبرهانهما أنّهما من لواحق الحيوانيّة المستلزمة للجسميّة المنزّه قدسه عنها . ومنها أنّه لم يتقدّمه وقت ولا زمان والوقت جزء الزمان وإذا كان خالق الوقت والزمان فبالحريّ أن يتقدّمها . ومنها أنّه لم يختلف عليه الزيادة والنقصان لأنّ الزيادة والنقصان من لواحق الممكنات لاستلزامهما التغيّر المستلزمة للإمكان المنزّه قدسه عنه . ومنها أنّه ظاهر للعقول في علامات التدبير ، وهى الإحكام والإتقان في مصنوعاته الموجودة على وفق القضاء المحكم فمن جملتها خلق السماوات كقوله تعالى « إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ والأَرْضِ » الآية ، وقوله « أَوَ لَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأَرْضِ » وقد مرّ بيان كونهما بلا عمد وقيامهما بلا سند في الخطبة الأولى ، ودعاؤهنّ حكم سلطان القدرة الإلهيّة عليهنّ ، وإجابتهنّ دخولهنّ في الوجود عن ذلك الحكم وطوعهنّ وإذعانهنّ من غير تلكَّؤ ولا تباطىء في إجابتهنّ وخضوعهنّ في رقّ الحاجة